الحياة الطيبة روعة اداء وحرف عجيب

7
الحلقة الاولى 

الكاتب الروسي فيدور دستويفسكي له رواية جميلة بعنوان " مذكرات من بيت الموتى " وهي رواية طويلة تتحدث عن السجناء تحديدا .. لكن الطريف في هذه الرواية ... ان صاحبها طلب السجن لمعرفة احوال السجين نفسيته ومعيشته واحواله وطريقة تنظيم وقته واكله وشربه  .. ومن ثم علاقته بالاخرين من السجناء .. وسجن دوستوبفيسكي في مكان منعزل وبعيد .. وفي سجن فيه عتاولة ( كبار ) المجرمين .. ولم يعرفه احد من المساجين او من المسؤولين في السجن الا قلة منهم .. وتم نسيانه في هذا السجن .. فماذا فعل .. قام بالتخطيط لعملية هروب من السجن .. وكانت اكبر عملية هروب للسجناء في تاريخ روسيا .. هذه الرواية عالمية .. ليه ... لانها تتحدث عن قضية معاشة وموجودة وقد تقع في اكثر الدول ديمقراطية .. اضاف عليها الكاتب نفسية السجين الذي يحاول الهروب من واقعه في السجن .. اما لظلمه .. واما لانحطاط كرامته .. او لحبه في الحرية التي قد يراها بعيدة المنال .. فتضاف هذه الاضافة الى عالمية فكر فئة  تشاركها كل فئات العالم .... والكاتب البروتو مورافيا له العديد من الروايات التي تتحدث عن الفرد في المجتمعات الغربية .. وهي روايات عالمية .. ليه .. لانها تتحدث عن قضايا معاصرة تقع في جميع بقاع الارض التي يعيش بها الانسان

وهناك الكاتب العالمي العربي نجيب محفوظ حصل على جائزة نوبل .. ليه .. لان رواياته وقصصه تتحدث عن قضايا معاصرة .. يعني من روح المجتمع الذي يعيشه الكاتب .. وبالتالي فان الكثير من مجتمعات الدنيا تعيش نفس الواقع .. فمثلا قضية الوظيفة وارتفاع الايجارات ومشاكل الجيران ومشكلة مابعد التقاعد ومراهقة الفتيات الصغار والشباب .. الخ الخ .. كلها قضايا عالمية تتشارك بها الامم جميعا .. فهي تعيش في مجتمع وتمرض في مجتمع ..

ولو نظرنا اكثر للفلاسفة مثلا .. لوجدنا ان معظم افكارهم ونظرياتهم ومبادئهم ومذاهبهم كلها عالمية .. ليه .. لانها تتحدث عن مشاكل فكرية معاصرة .. ولا تموت مع تقادم الزمن .. حيث تحيا في مجتمع .. وتمرض في مجتمع .. لكنها تظل قائمة .. فنفهم من هذه المقدمة ان عالمية الفكر وعالمية العرض وعالمية الاختيار هي التي تحدد من قيمة العمل الادبي ..

اضافة ان هذا العمل الادبي يحتاج الى جانب الحبكة القصصية .. يحتاج لسيناريو ذكي .. ينقل القاريء بسلاسة وعذوبة الي الفكرة التي يريد توصيلها له .. فلا يخرج عن روح النص .. ونحن نعرف جميعا ان الحوار يعتمد على مادة .. يعني لما نتحاور او نتناقش مع بعض لابد وان تكون هناك مادة نتناقش حولها ..

فمثلا .. قد نتناقش حول طبخة يقوم بها مثلا طاهي معروف .. فنقول مثلا ان هذا الطاهي جيد في اختيار وجباته ويقول الثاني  انه يمتلك حس وذوق في طهيه .. ثم يختلف اخر فيقول ولكنه لا يحسن وضع البهارات . ويقول الرابع .. نعم هذا عيبه .. الخ .. اذن النقاش هنا تم حول ماذا .. حول الطاهي .. يعني مادة طهي .. فحصل في هذا النقاش مؤيد ورافض .. لكن كلها تدور حول ماذا .. تجور حول مادة الطهي .. هذا حوار معقول .. لكن ماذا لو جاء واحد من هؤلاء المحاورين ووقف امام الطبخه وقال لهم .. هذه اصلا باخرة .. واصر بانها باخرة .. فماذا يحدث  .. الذي يحدث ان الحوار تم تحوير مادته من طهي الى باخرة .. واصبحت المادة ماذا .. اصبحت مادة غير طبيعية .. ومن المستحيل النقاش فيها .. لانه سيكون حوار الطرشان 

اذن عرفنا الان شغلتين .. الاولى :  عالمية العرض والفكرة .. والثانية : السيناريو الذي ينقلك الى فهم هذه الفكرة .. وبالطبع مسألة السيناريو ليس شرطا ان يكون حوارا .. وهنا تأتي قيمة الكاتبة  " الحياة الطيبة "  حيث قد يعمد الكاتب الى تحوير في السناريو من حوار الى جمل تعطي نفس الفكرة .. وهذا يفعله بعض المخرجين .. حيث لا يمكن عرض الحوار على المسرح لحساسيته مثلا .. فيستعيض عنه بماذا .. يستعيض عنه بالاغاني اوالرقصات وهي تعطي ماذا .. تعطي نفس المعنى الذي في الحوار .. والحياة الطيبة هنا تختلف كلية عن الكاتبة الزين .. ليه .. لان الزين اغلب قصصها تعتمد على الحوارات .. عكس الكاتبة الحياة الطيبة التي تعتمد على الجمل التي تعطي نفس المعنى

وهذا الكلام ينطبق ايضا على المقالات .. ففي المقالات سياريو وفكرة .. وبعضهم يقدمها كما ذكرت لكم اعلاه .. وبعضهم يختار الجمل التي تعطي نفس المعنى ...

تعالوا معاي الان نستعرض شيئا من اعمال " الحياة الطيبة " في نفس مجال ماذكرته لكم .. انتبهوا معي لتصل لكم  المعلومة بشكلها الذي اريده ....  في مقالة جميلة لها بعنوان " أن استقر "  تقول الكاتبه " الحياة الطيبة " :

((  الفترة التي تعقب التحدي يتمحور تركيزك فيها على الوقوف  من جديد في حين ان الفرص تكاد تنعدم في لم شتات نفسك .. تتسائل هل من مجال للاستسلام  .. هل بالامكان الاستسلام مع هذا الكم من الممسؤوليات .. تتمنى ان يعود الزمن الى وقت كنت فيه خالي من اي مسئولية .. ماهذا .. وماهي حقيقته .. احيانا قد يشعر المرء بالرغبة في التحرر من كل شيء )) 

هنا ماكتبته " الحياة الطيبة " في بداية مقالها .. هي فقرة كما تلاحظون ..لكنها تحمل مضامين مختلفة ومتناقضة  .. ليه .. لانها ترتبط في اربع  قضايا .. كل واحدة من هذه القضايا تختلف عن الثانية  ... الاولى  : مشكلة التحدي .. والثانية  : مشكله ماوراء التحدي .. والثالثة : مشكلة المسؤوليات .. والرابعة  : التحرر من كل شي ..

 اذن امامنا الان اربع قضايا .. لخصتها الكاتبة بفقرة واحدة .. وهي الهروب الى الوراء والتحرر من ماذا .. التحرر من االامام .. اي من امام هذه القضايا المقلقة .. من يقرا هذه الفقرة يستغرب .. ليه .. لان كيف تطلب ممن يعيش وضعا فرص الوقوف فيه صعبه  ... فتطلب منه التحدي للوقوف من جديد ... وبذات الوقت تدفعه للياس في قولها  تتسائل هل من مجال للاستسلام لان الفرص تكاد تنعدم !!!!

ماذا نفهم من هذا .. نفهم ... انها مارست التعادلية التناظرية .. ليه .. لان الاربع قضايا غير مرتبطات ببعض يعني هكذا .. تحدي + غير تحدي = تسائل .. وهنا جاءت بفقرة بعيدة عن التعادلية ..  .. وكأنها اتت بتعادلية غير صحيحة مثل هذه ..  مرض + موت = لا شيء  .. ليه لان في المرض اما موت او حياة .... وعشان تكون هناك تعادلية يجب ان تكون هكذا .. مرض + صحة = واحد صحيح  ..

اذن الكاتبة " الحياة الطيبة ماذا فعلت .. جاءت بالتعادلية التناظرية .. والغريبة انها قالت في نفس الفقرة هكذا  - - هل بالامكان الاستسلام مع هذا الكم من الممسؤوليات .. تتمنى ان يعود الزمن الى وقت كنت فيه خالي من اي مسئولية .. ماهذا .. -  طيب ليه قالت ماهذا .. لان من غير المعقول ان تكون هناك تعادلية مع مسؤولية واستسلام ...  اذن هي لم تأت بتعادلية لكنها جاءت بالتعادلية التناظرية ...

طيب الان .. السؤال الان .. اين تقع التعادلية التناظرية .. انتبهوا معي .. التعادلية التناظرية  تقع هنا في هذه الجملة :

الفترة التي تعقب التحدي يتمحور تركيزك فيها على الوقوف  من جديد

فتصبح التعادلية هكذا .. تحدي + تعب = واحد صحيح ... ليه ... لان لو قلنا مثلا هكذا .. امرأة + رجل = واحد صحيح .. يعطي سؤال مهم .. وهو ليه اصبحت المرأة والرجل واحد صحيح .. الجواب ... لانه نتج من هذا الواحد الصحيح طفل .. فيكون التحدي والتعب ينتج عنه ماذا ... ينتج عنه نجاح او فشل .. وكلها ماذا .. كلها ولادة .. فهل هناك تناقض .. ابدا ليس هناك اي تناقضا على الاطلاق .. ليه ... لان الاصل هو التعب .. والمشكله هي في التحدي .. لكن لو قلنا تحدي ونجاح او تحدي وفشل لاسقطنا مادة ماذا .. اسقطنا مادة  الاداء .... 

اذن ... الحياة الطيبة جاءت بفقرة واحدة بأهم الاعمال الفكرية واصعبها وهي التعادلية التناظرية .. طيب .. وين السيناريو .. لنقرا الفقرة مرة ثانية   لتعرفوا اين السيناريو او الحوار :

((  الفترة التي تعقب التحدي يتمحور تركيزك فيها على الوقوف  من جديد في حين ان الفرص تكاد تنعدم في لم شتات نفسك .. تتسائل هل من مجال للاستسلام  .. هل بالامكان الاستسلام مع هذا الكم من الممسؤوليات .. تتمنى ان يعود الزمن الى وقت كنت فيه خالي من اي مسئولية .. ماهذا .. وماهي حقيقته .. احيانا قد يشعر المرء بالرغبة في التحرر من كل شيء )) 

السيناريو هنا ... :

سؤال : ماذا يعقب فترة التحدي 
جواب : يتمحور التركيز بعد فترة التحدي على اهمية الوفوف من جيد
سؤال : كيف يتم هذا والفرص تكاد تنعدم في النفس
جواب : صحيح المرء يتمنى لو يعود به الزمن لوقت كان فيه خال من المسؤليات 

وهنا نلاحظ بان الاجابة  الاخيرة غير واضحة .. ليه .. فكروا ليه .. لصعوبة التحدي في فرص غير متاحه اصلا
اذن نفهم ان هذه الفقرة حملت ماذا .. حملت سيناريو .. لكن سيناريو ماذا .. سيناريو بفقرة وليس بحوار .. ما هذا .. هل يمكن لكاتب عادي ان يكتب فقرة  تحمل جمل قليلة تتضمن تعادلية تناظرية وسيناريو يعتمد على فقرات واربع قضايا متناقضة وشائكة ..

بالطبع مستحيل .. لكن الحياة الطيبة فعلت ... هل عرفتم الان كم هي هذه الكاتبة رائعة  .. نحن الان تكلمنا عن جزء من اعمالها التي تحمل مضامين الفكر الراقي ... . وفي الحلقات المقبلة سوف نتكلم عن الاجزاء الباقية ان شاء الله ... فكاتبة بمثل ثقل هذه الرائعة لا يمكن تقديمها لكم باسطر قليلة ..

يمكن قراءة موضوع الكاتبة الحياة الطيبة من هنا



التعليقات

  1. شكراً لك لجعلي أقرأ موضوع الحياة الطيبة ...

    و شرحك عن كثير من الأمور مثل لما قد يكون الكاتب عالمياً ... و عن التعادلية ...


    بإنتظار أجزائك القادمة عن الكاتبة الحياة الطيبة ... و اختيارك لموضوعها كان موفقاً جداً فحقاً من أجمل المواضيع التي قرأتها - لم أقرأ بقية مواضيعها لأحكم :) ولكنني سأفعل إن شاء الل تعالى -

    تقبل مروري ...

    ردحذف
  2. قطرة وفا

    الحياة الطيبة كاتبة ذات فكر راق وثقافة شاملة .. وتمتلك اسلوب يدل على ثقافتها وفهمها بما يدور حولها وهي استاذة ومعلمة .. وكل ماسنقوله بحقها قليل
    شكرا على المشاركة

    ردحذف
  3. ابن السور ,ممتنة لتناولك كتاباتي والحق يقال أنني لم أقصد الكتابة بهذه الطريقة ولكنها أتت سجية ,شكراً لقطرة وفا ...هي أكثر من قطرة ولنقل نبع الوفا .
    ابن السور يقف القلم مهما كتب عاجز عن إيفاءك حقك تحياتي.

    ردحذف
  4. الحياة الطيبة

    اجمل الكتابات هي تلك التي تأتي على سجيتها .. فتكشف عن موهبة رائعة .. وذهن صاف .. وابداع لا تخفى عن العيون واصحاب العقول النيرة ...

    شكرا لامتاعك لنا بكل حرف جميل رائع قرأناه لكِ

    ردحذف
  5. الحياة الطيبة
    قلم تعرفت على نزفه منذ فترة وجيزة..
    لمست من خلال ردودها في مدونتها
    حنانا وطيبة قلب، وعفوية في الردود محببة للقلب...
    أدام الله نورا يسطع لينير طريقها ووفقها لمايحب ويرضى


    ابن السور فعلا استمتعت بالسهرة رغم اني تأخرت بالرد
    إلا أني انتظر جزئها الثاني بشوق
    فألف شكرا ويعطيك العافية والصحة
    مودتي

    ردحذف
  6. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
    عودة...
    بداية..سامحني على هذه المشاعر التي خلفناها..
    عن نفسي..لا أتعمد التأخير بالرد..أحيانا أقرأ التدوينات من جوالي وأنا في استراحتي بالعيادة..أو بين مريضين أو بين عملية وأخرى وهكذا..مما يمنعني من الرد الفوري...

    لكن أشكرك على تنبيهي
    وسأحرص على الرد الفوري على المواضيع
    سواء كانت في مدونتي أو حين قرائتي لمدونات غير..
    .
    .
    عن نفسي أيضاً..
    أحرص على الرد على المواضيع الت يتكتبها
    لأنها على قدر عالي من العلم وتفتح آفاق كثيرة
    على الأقل بالنسبة لي..
    وعلى العكس..قد يكون هناك بعض المواضيع التي فاتتني
    أو بعض المواضيع التي لا أفقه فيها فلا أشارك من باب المجاملة..بل التزم الصمت رغم قرائتي لها...

    من ناحيتي...على العكس..
    اتقبل العتب والنقد وأعمل على إصلاح
    أي قصور يبدر مني...
    وأحب ان اعترف بخطأي في حال بدر مني عن غير قصد..
    وفعلا..حين قرأة موضوع الحياة الطيبة كنت
    أمر بوعكة صحية ولم أستطع الرد وحالما بدأت مباشرة الردود، وسنحت لي الفرصة لقراءة الموضوع مره أخرى ..باشرت الرد..

    مرذه أخرى أشكرك لتنبيهي على هذه النقطه..وأعدك أن أحاول قدر إستطاعني على الرد أو التنبيه بأن ردودي ستكون متأخرة...

    وبالكويتي الفصيح
    تراني مو زاعولة:) واتقبل النقد والنصيحه..

    مودتي:)

    ردحذف
  7. سلة ميوّه

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    قمت بحذف العتب السابق قبل ان تكتبي ردك الثاني
    ولكن هذا لا يمنع من نشر ردج الثاني
    ليتعرف محبينج ومحبي قلمج وانا منهم
    على اخلاقج وطيبة قلبج
    وحرصج على ان لا تتركي اثر محزن او مؤلم في قلب
    او نفس اي انسان تعرفتي عليه من خلال قلمه
    او من خلال عيادتج او في حياتج العامة
    فسارعتي على الفور
    بالرد والتوضيح
    مع انه لم يكن مطلوبا منج هذا التعب
    فقد كان كلامي عاما من خلال ميانتي عليج كأخ وزميل لج في عالم التدوين
    الف سلامه عليج وماتشوفين شر
    ونحن نعذر الناس
    حتى وان كان هناك بعضا من العتب
    فهذا طبع البشر

    مشكوره .. وهكذاانتي
    كبيرة في مشاعرج
    وكبيره في تقبلج للنصائح والعتب
    وكبيرة في قلمج وجمال حرفج

    ردحذف

جميع الحقوق محفوظه © أجنحة وقلوب

تصميم الورشه