سر النفس الغائبة

0

من الصعب فهم مدارك ومشارب الناس كلوحة مرسومة ثابتة يمكن تحليلها وتحديد ابعادها وفهم لغة الفن فيها .. فهم - اي الناس - عالم كامل يحملون متغيرات السلوك ... وتبعات الزمن من ادوات ومن حضارات ومن تجارب امم ... فلا تقييم ثابت ولا تنزيه مطلق ولا مدينة فاضلة نعيش بها ... نحن شتات فكر وتوالد عصور وتبعات تجارب وخبرات متغيرة ... يجمعنا في كل هذا قانون الحاجة والتبعية .. فنحن نحتاج للامن ولا يتأتى ذلك الا بمجتمع .. ونحتاج للتكاتف والبناء ولن يكون ذلك الا بجماعة لها حيز ومكان وهوية ولغة تجمع معها اللون والمذهب والدين والقبيلة 

لم يأت هذا الفكر اعتباطا ولا مصادفة .. وانما هي السنين المتعاقبة التي انضحت فكر الانسان واكسبته التجارب ليبني حضارته بنفسه لنفسه ... لم تساعده شجرة لم يعاونه حيوان ... ولم يلتقط له طير وانما جنسه الذي عمل واجتهد وابتكر ... الا في حادثة وجيدة كان الانسان يحتاج لمساعدة .. عندما قتل قابيل اخيه هابيل واحتار في جثته حيث دله الطير على كيفية دفنه .... وعلى مدى الدهور اخذ الانسان  من الشجر غذائه .. واخذ من الحيوان قوته وطعامه واخذ من الطير رسائله وغذائه .. فساعده في نضج الرؤية وصلاح الحكمة وبناء الحضارة 

ومع كل هذه المتناقضات ... من دولة الحياة التي يعيشها الحيوان والطير والنبات .. كان الانسان الكائن الوحيد الذي اوجد لكل هذه المشاركات الحية غير الناطقة وغير العاقلة مكانا ترسي عليها وفوقها ... ذلك بعد ان تنامى اداركه وارتفع منهجه السلوكي العام .. وادرك اهمية العالم الاخر الذي يشاركه الارض .. واصبح عدو الامس صديق اليوم ..فستأنس الاسد وبنى للتماسيح احواضا وصنع محميات للحيوانات المفترسة الاخرى من اجل بقاء هذا الجنس الذي فهم اهميته ... زمن ثم دراسة سلوكه... 

ومع ان معظم الالغاز والطلاسم والغموض الذي كان يحيط بالارض تم فهم الكثير منه ... لكن بقى الانسان لغزا محيرا لجنسه وذاته ... حيث تمكن الانسان مع اتساع معارفه من ادراك وفهم معظم غموض ماكان يخيفه ويخشاه في الازمنه الغابرة .. لكنه عجز ان يحل لغز نفسه وسلوكه ... فكلما اقترب من الكمال نقص درجه ... وكلما احتفل بمعرفة نفسه انحرف عنها ... فاصبح من الواضح اننا امام معضلة في فهم بعضنا فهما كاملا مطلقا ... حيث كان يعيق كل ذلك هي النفس ذاتها

فالحيوان والطير والنبات لا يوجد مايخفيه عن جنسه .. ولا يخفي مايبطن .. فكل الامور واضحة كان مسلكا او غريزة .. الا الانسان الذي يمكنه ان يستقبلك مبتسما ومرحبا وبذات الوقت سبقك الى عمل مضاد نحوك ينهي فيه حلمك ويقتل حماسك دون ان تدرك ذلك .. ومع ان معظم العلوم التي تتعلق بالنفس حاولت الاقتراب من هذا الامر وتفسيره .. لكنها عجزت ان تنفذ داخل النفس فتعلم غيبها وماتخفيه .. فقد كشفت عن اسرار الشخصية الشريرة واعطت صور للمخادعين والمجرمين .. لكنها وقفت في هزيمة بشعة امام توقبت انطلاق النفس الشريرة نحو الدمار والخراب .. حيث ذلك تقرره النفس ذاتها في الزمن والمكان 

وقد تحدث الله سبحانه عن هذه النفس المخفية ... عندما اخبر رسوله عليه الصلاة والسلام ان هناك من الناس من يدعون الايمان  لكنهم عندما يختلون مع شياطينهم يعللون السبب بانهم كانوا يستهزؤن ..يقول الله سبحانه :

وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ

هذا الامر لا يعرفه احد لاستحالته .. لكن الله سبحانه المطلع على اسرار النفس التي لم يصل لها العلم .. عرف بعلمه بما في نفوسهم فهو لا ينقل قولهم فقط ولكنه نقل ما اضمرته نفوسهم عند اللقاء مع المؤمنين ثم نقل لنا قولهم .... وهذا يدل ان هذا الامر هو اداة الهدم لايجاد خلل الامن النفسي في ذات الانسان التي لا تتوقف عن ممارسة اتباع هواها

علينا ان نكون متيقظين وحذرين دائما في التعامل اليومي مع الاخرين ... وعلينا ان نفهم بشكل جيد ان النفوس تتغير والقلوب تتقلب والاهواء تغلب عليها المصالج ... فانظروا مثلا لمن كان في موقع المسؤولية وكيف يلتفون حوله وعندما يخرج من هذه الدائرة لا أحد يسأل عنه ... والسبب ان هذا الشخص خرج من دائرة النفس التي تبني مصالحها على قواعد مادية وليست روحانية  ذات ابعاد اخلاقية مطلقة ... وبالتالي فان الحكمة هنا هي في ارساء العدل عندما يتسلم اي منا مسؤولية  الناس حيث في العدل بقاء لجهده وعمله .. فان ذهبت المصالح المادية بقيت أعماله التي يستمر الناس في الاستفادة منها 

وعلينا ان نفهم جيدا ان لغة الارقام والمصالح ترتبط ايضا مع الوهم والكذب .. فهناك من يبني الحلم فبراه رقما فنربط مصالحنا معه .. وقد تكون مصالح روحانية كأن نستمع او نقرأ له وهو بداخله يفعل عكس مايكتب وينصح ...هذا الامر لن تعرفوه ... ولن تعرفوه .. لانه داخل النفس البشرية .. قد تكون هناك انعكاسات تظهر كذبه او تكشف شيئا من الريبة فيه .. لكنها تظل ضمن دائرة الشك والظن والشك والظن يفسر دائما لصالحه وليس ضده ...







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظه © أجنحة وقلوب

تصميم الورشه